العيني

63

عمدة القاري

في أجرته . وهبيرة ، بضم الهاء وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء : ابن أبي وهب بن عمر بن عائد بن عمران المخزومي زوج أم هانىء بنت أبي طالب ، شقيقة علي بن أبي طالب ، كرم ا وجهه ، وهي أسلمت عام الفتح ، وكان لهبيرة أولاد منها وهم : عمر ، وبه كان يكنى ، وهانيء ويوسف وجعدة ، وقد ذكرنا أن اسم أم هانىء : فاختة ، وكنيت بهانىء أحد أولادها المذكورين . ثم قولها ؛ فلان ابن هبيرة ، فيه اختلاف كثير من جهة الرواية ومن جهة التفسير ، ففي ( التمهيد ) من حديث محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعد عن أبي مرة : ( عن أم هانىء قالت : أتاني يوم الفتح حموان لي فاجرتهما ، فجاء علي يريد قتلهما فأتيت النبي وهو في قبة بالأبطح بأعلى مكة ) . الحديث ، وفيه : ( أجرنا من أجرت وأمَّنَّا من أمنت ) . وفي ( معجم الطبراني ) ( إني أجرت حموي ) . وفي رواية : ( حموي ابن هبيرة ) . وفي رواية : ( حموي ابني هبيرة ) . وقال أبو عمر : في حديث أبي النضر ما يدل على أن الذي أجرته كان واحداً ، وفي هذا اثنين : وأما من جهة التفسير فقال أبو العباس ابن سريج : الرجلان هما : جعدة بن هبيرة ، ورجل آخر ، وكانا من الشرذمة الذين قاتلوا خالداً ، رضي ا تعالى عنه ، ولم يقبلوا الأمان ولا ألقوا السلاح ، فأجارتهما أم هانيء ، وكانا من أحمائها ، وروى الأزرقي بسند فيه الواقدي في حديث أم هانيء هذا : أنهما الحارث بن هاشم ، وابن هبيرة بن أبي وهب ، وجزم ابن هشام في ( تهذيب السيرة ) بأن اللذين أجرتهما أم هانىء هما : الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية المخزوميان . وقال الكرماني : أرادت أم هانىء ابنها من هبيرة أو ربيبها ، كما أن الإبهام فيه محتمل أن يكون من أم هانيء ، وأن يكون الراوي نسي اسمه فذكره بلفظ : فلان ، قال الزبير بن بكار : فلان بن هبيرة هو : الحارث بن هشام المخزومي ، وقال بعضهم ؛ الذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفاً ، لأنه كان فيه فلان بن عم هبيرة ، فسقط لفظ : عم ، أو كان فيه : فلان قريب هبيرة ، فتغير لفظ : قريب ، بلفظ : ابن ، وكل من الحارث بن هشام ، وزهير بن أبي أمية ، وعبد ا بن أبي ربيعة يصح وصفه بأنه : ابن عم هبيرة . وقريبه ، لكون الجميع من بني المخزوم . قلت : الأصوب والأقرب أن يقول في توجيه رواية أبي النضر . فلان بن هبيرة ، أن يكون المراد من فلان هو : ابن هبيرة من غير أم هانيء : فنسي الراوي اسمه وذكره بلفظ : فلان ، ويدل على صحة هذا رواية ابن عجلان في ( التمهيد ) وروايات الطبراني ، فإنها تدل على أن الذي أجرته أم هانيء هو حموها . فإن قلت : المذكور في رواية أبي النضر واحد ، وفي هذه الروايات اثنان . قلت : لا يضر ذلك لأنه يحتمل أن يكون الراوي اقتصر على ذكر واحد منهما نسياناً ، كما أبهم اسمه نسياناً ، وقال ابن الجوزي : إن كان ابن هبيرة منها فهو جعدة ، وجوز أبو عمر أن يكون من غيرها وهو الأصوب لما ذكرنا . فإن قلت : قال بعضهم : نقل أبو عمر ، من أهل النسب أنهم لم يذكروا لهبيرة ولداً من غيرها . قلت : لا يلزم من عدم ذكرهم ذلك أن لا يكون له ابن من غيرها . فإن قلت : قال هذا القائل : جعدة معدود فيمن له رواية ولم يصح له صحبة ، وقد ذكره من حيث الرواية في التابعين : البخاري وابن حبان وغيرهما ، فكيف يتهيأ لمن هذه سبيله في صغر السن أن يكون عام الفتح مقاتلاً حتى يحتاج إلى الأمان ؟ ثم لو كان ولد أم هانىء لم يهم ، علي رضي ا عنه ، بقتله لأنها كانت قد أسلمت وهرب زوجها وترك ولدها عندها ؟ قلت : كونه تابعياً أو صحابياً على ما فيه الاختلاف لا ينافي ما ذكرناه فيما قبل ذلك ، وقوله : فكيف يتهيأ إلى آخره ؟ مجرد دعوى فيحتاج إلى برهان ، فظهر مما ذكرنا أن قول الكرماني : أرادت أم هانىء ابنها من هبيرة أو ربيبها أقرب إلى الصواب وأوجه . وقول بعضهم : والذي يظهر لي . . . الخ بعيد من ذلك ، وتصرف من عنده بغير وجه لأن فيه ارتكاب الحذف والمجاز والتقدير بشيء بعيد غير مناسب ، ومخالف لما ذكره هؤلاء المذكورون آنفاً ، وهذا كله خلاف الأصل ، ومما يمجه من له يد في التصرف في الكلام . قوله : ( وذلك ضحى ) ويروى : ( وذاك ضحى ) ، وهو إشارة لما ذكرته من قولها : ( فصلى ثماني ركعات ) أي : كان ذلك وقت ضحى ، والدليل عليه ما في رواية أحمد في هذا الحديث ، وذلك يو فتح مكة ضحى ، ويجوز أيضاً يقال : وذلك صلاة ضحى ، والدليل عليه ما في رواية أبي حفص بن شاهين أن أم هانىء قالت : يا رسول ا ؟ ما هذه الصلاة ؟ قال : ( الضحى ) ، وما رواه ابن أبي شيبة : ( ثم صلى الضحى ثماني ركعات ) ، وهذا الوجه هو الأصح ، وهذا أيضاً يمنع التحرض في ذلك بأن قال بعضهم هي : صلاة الفتح ، وبعضهم : صلاة الإشراق ، والدليل على ذلك ما في رواية مسلم : ( ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى ) .